الجاحظ
54
رسائل الجاحظ
العيار على كل صناعة ، والزمام على كل عبارة ، والقسطاس الذي به يستبان نقصان كل شيء ورجحانه ، والراووق الذي يعرف صفاء كل شيء وكدره ، والذي كل أهل علم عليه عيال ، وهو لكل تحصيل آلة ومثال . إلا أنه ثغر والثغر محروس ، وحمى المحمى ممنوع . والحرم مصون ، ولن تصونه إلا بابتذال نفسك دونه ، ولن تمنعه إلا بأن تجود بمهجتك ومجهودك ، ولن تحرسه إلا بالمخاطرة فيه . والثواب على قدر المشقة ، والتوفيق على مقدار حسن النية . وكيف لا يكون حرما وبه عرفنا حرمة الشهر الحرام والحلال المنزل ، والحرام المفصل ؟ ! وكيف لا يكون ثغرا وكل الناس لأهله عدو ، وكل الأمم له مطالب . وأحق الشيء بالتعظيم ، وأولاه بأن يحتمل فيه كل عظيم ما كان مسلما إلى معرفة الصغير والكبير ، والحقير والخطير ، وأداة لاظهار الغامض ، وآلة لتخليص الغاشية ، وسببا للإيجاز يوم الإيجاز والإطناب يوم الإطناب . وبه يستدل على صرف ما بين الشرين من النقصان ، وعلى فضل ما بين الخيرين من الرجحان ، والذي يصنع في العقول من العبارة وإعطاء الآلة مثل صنيع العقل في الروح ، ومثل صنيع الروح في البدن . وأي شيء أعظم من شيء لولا مكانه لم يثبت للرب ربوبية ، ولا لنبي حجة ، ولم يفصل بين حجة وشبهة ، وبين الدليل وما يتخيل في صورة الدليل . وبه يعرف الجماعة من الفرقة ، والسنة من البدعة ، والشذوذ من الاستفاضة . [ 3 - آفات علم الكلام ] فصل منه : واعلم أن لصناعة الكلام آفات كثيرة ، وضروبا من المكروه عجيبة ،